 |
| بقلم غيثي النح |
ان المتتبع لتاريخ جيش التحرير الشعبي الصحراوي منذ سنة 1973 لابد من ان يتوقف عند نشأته وتطوره من حيث التنظيم والتكوين و التعداد والعتاد والقيادة والسيطرة، حيث كيّف أداءه مع كل ظرف وما يتطلبه. ولاشك انه مر بمراحل متعددة تأرجحت في فتراتها الا أنه قد نجح في خوض معركة التحرير رغم قلة تعداده وعتاده مقارنة مع الجيوش التي خاضت حروبا ضده. وكل مقاتل في هذا الجيش هو بحد ذاته صفحة تاريخية تستحق الدراسة والتمعن!.
ويحفل تاريخ الجيش الصحراوي بإنجازات وبطولات من الصعب إستيعابها، فهناك أشياء قام بها تحاكي الخيال، فلا الجغرافيا ولا الحساب و لا المنطق قادرة عن إعطاء تفسيرات مقنعة لكثير من الاشياء التي حصلت في الحرب وذلك بتحطيم كثير من الارقام القياسية، والتي على المؤرخين والباحثين محاولة فك خفاياها و رموزها.
ومهما بلغ اي مهتم من قدرة لا يمكن له ان يفي الجيش الصحراوي حقه، إذ هو الذي حقق به كل الصحراويين إنجازات لاحصر لها، أهمها على الاطلاق وجود كيان صحراوي. و هو الحاضن الحقيقي للنقلة النوعية التي حقق الشعب الصحراوي، وهو الذي وقف بتعداد وعتاد متواضع جدا في وجه كل محاولات إبادة الشعب الصحراوي، كما انه الوعاء الضامن لاستمرار كفاح الشعب الصحراوي حتي نيل إستقلاله.
يحصل هذا في ظل غفلة لا يعرف مردّها، فلا وسائل الاعلام الوطنية و لا الاعلام المستقل تذكّر بملاحم وبطولات هذا الجيش، وتمر ذكريات معارك الوركزيز ولبيرات و الگلته والسمارة والخلوة ولنكاب وطاطا واغا والمحبس وتشلة وام أدكن وغيرها بدون حتى تنويه أو إشارة..؟!
و في الحقيقة، لا أعتبر نفسي مختصا و لا باحثا في تاريخ الجيش الصحراوي، فهذا المجهود لا هو ببحث و لا بدراسة وقد لا اقدم جديدا، بقدرما أردت إبراز بعض الحقائق ولفت إنتباه الشباب والمهتمين والباحثين وحتى المقاتلين انفسهم الى أهمية البحوث في تاريخ الجيش الصحراوي وإعطائه الاهمية التي تليق به. وعليه سأصيغ المعلومات التاليه علي شكل نقاط لعلها تفيد:
هل تعلم ان الشهيد الولي مصطفى السيد مؤسس جبهة البوليساريو وزعيمها، لم يبلغ من العمر أثناء تفجير الثورة إلا 23 سنة وهو بذلك أصغر سنا من كل القادة التاريخيين لثورات التحرير أيام تفجيرهم لثوراتهم، فمثلا هو أصغر سنا من كل من Amilcar Cabral(32) ,Agosthino Neto (32), Fidel castro (30), Eduard Mondlane(42), Kwame Nkrumah(41), Che Guevara (30). وكلهم إما دكاترة، أو مهندسين أو محامين بينما هو كان لم يكمل دراسته الجامعية اي انه لا يزال طالبا.
هل تعلم انه وفي أقل من 08 سنوات على تكوين تلك النواة من “الجمّالة” والتي لم تكن بحوزتها حتى سيارة واحدة، إزداد الالتحاق بالجيش الصحراوي وإزدادت تجربته خبرة وتمرسا، بحيث انه، أصبح يقاتل ويشغل عتادا جد متطور وبمهارة عالية، مثل BMP,CASCABEL,SAM 6 , حيث أنه أبهر العدو والعالم برمته بما في ذلك الحليف نفسه، وبذلك اثبت الشعب الصحراوي انه شعب عظيم لا يعرف المستحيل .
وما تمليه، ولكل منها خلفية تاريخية لنشأتها:
وهو المكتب الذي يقوم بتسيير المصادر البشرية للجيش، ويقوم باكتتاب الأفراد لتوفير حاجات جدول التعداد والمعدات، ورغم شح الامكانيات وظروف الطبيعة إستطاع هذا المكتب ان يؤسس لإدارة تعني بكل الشؤون الاساسية للمقاتل بما فيها الاجتماعية منها.
اي مديرية الامن سابقا، تقوم بإطلاع القيادة على المسائل المتعلقة بالأمن العسكري ومعنويات الأفراد والمشاركة في البحث عن المعلومات الداخلية وأقل ما يمكن القول عنه أن هذا المكتب كان يجابه ما يفوق 10 أجهزة معادية تعمل بإرتباط، حيث ان أجهزة الاستخبارات المغربية الة ضخمة للانتيليجينسيا تنسق مع شركاء غربيين من أجل الحصول عل معلومات عن الجيش الصحراوي.
رغم ان هذه المديرية على طوال سنوات الحرب كانت تضطلع بمهام توفير السند المعنوي والتحريضي للجيش والعمل على نبذ كل الاشاعات المسمومة من دعاية ومغالطات معادية، إلا ان بعض المتتبعين يرى أن أبرز إنجازاتها في الحرب هو عملها على تدريس وتثقيف كافة افراد الجيش، حيث وفقت في القيام بحملات لمحو الامية في الجيش. كما يشهد لها انها لم تستعمل التوجيه الديني لاقناع الناس بالقتال لايمان المقاتل الصحراوي بعدالة قضيته.
تقوم بتكوين وتدريب الأفراد وتنسيق التعاون العسكري مع الدول الأجنبية في مجال التكوين والتدريب، ولقد قامت هذه المديرية بتكوين وإعادة تكوين المقاتل الصحراوي، حيث أنشئت لهذا الغرض مدارس عسكرية لمختلف الاختصاصات.
يتكفل هذا المكتب بجميع المسائل المتعلقة بالدعم اللوجستي فيما يخص النقل والتموين والتجهيز، وسيحفظ التاريخ الكم الهائل من المجهود الذي بذل هذا الجهاز، حيث انهم أبدعوا في إلاجتهاد ولاول مرة في الحروب الحديثة نموذج “إستغلالية الوحدة”، بحيث انها جربت وطبقت ان كل سيارة او عربة تحمل عليها كل زادها من مؤن وذخائر الخ… وسيحفظ التاريخ ان تقنييها أبدعوا كذلك في إختراع إستعمالات جديدة لبعض الاسلحة، حيث حولت لاول مرة في التاريخ من مقطورة الي ذاتية الحركة، وهي الفكرة التي نراها اليوم تستعملها كثير من الجيوش. وبذلك يجوز القول بأنها”ماركة مسجلة” للجيش الصحراوي.
كان دور اطباء الجيش الصحراوي في الحرب يهدف بالاساس الى الإسعاف الميداني لنقل الجرحى بعيدًا عن ساحات القتال، لم تكن هناك مستشفيات ميدانية ومراكز إخلاء المعطوبين، إلا ماهو على عجل. ومع ذلك كانوا يواكبون العمل العسكري، ويقيمون عمليات جراحية في اماكن غير مهيئة وفي الهواء الطلق بدلا من الغرف المعقمة. لم تنس الذاكرة الجماعية تعداد الدكاترة والممرضين الصحراويين، الذين استشهدوا في ساحات القتال، معروف ان أول وزير يستشهد هو طبيب كان يسعف ضحايا القنبلة المغربية. وقد إستحضرت واقعة، وهي انني ذات يوم في بداية التسعينيات ممرت من مستشفى الشهيد بلا، ليرافقني بعض الزملاء، فإذ برجل كنت قد عرفته من قبل تبادلنا السلام، واثار إنتباهي ان إحدى قدمي الرجل بترت وسألته ما الذي اصابك، قال لي انها عضة، وقال في مجمل حديثه انه أجرى له دكاترة اجانب عدة عمليات وكانت كلها فاشلة، إلا انه وفي أخر المطاف تقدم لدكتور صحراوي متخصص في العظام حيث أجرى له عملية جراحية أخرى ومن ذلك الحين وهو معافى، الرجل ما هو إلا أسير حرب مغربي، كان محل إحترام وتقدير كل من عرفه وكان يطلق عليه إسم “أكبيري” حيث ان الاول يطلب الله لهذا الدكتور ويشكره ويثمن ما قدم له.
تعنى بالاتصالات وتنظيمها لتبادل إرسال الأوامر والتعليمات والإيعازات والتقارير والإشارات، واستقبالها بمختلف الطرق والوسائل من أجل قيادة القوات والسيطرة عليها في الحرب وقد قام سلاح الأشارة في جيش التحرير الشعبي الصحراوي تباعاً ومنذ تأسيسه بمواكبة ومسايرة القتال مع اصناف الاسلحة الاخرى. وقام بتكثيف التدريب وتنمية الاحساس بدور الإتصالات في ميدان المعركة وأهمية ضمان إيصال المعلومات بين مختلف الوحدات والنواحي العسكرية والامتدادات الاخري.
رجالات المشاة محمولة أو مكانيكية، كما هو معلوم كانت الحرب تدار في مسرح عملياتي خالٍ تماماً ومكشوف , إلا أن ذلك لم يعق أداء هذه الاسلحة ورجالاتها، وهي التي كانت عليها حصة الاسد في تحقيق التماس مع العدو وهزيمته. ولاشك ان مجمل المتتبعين لشؤون الحرب في الصحراء الغربية يلاحظ انه منذ دخول المدرعات في الحرب، سنة 1981 تغير ميزان القوة والردع بشكل لافت. ولا يعرف قدرتها على المهاجمة أكثر من الجنود الذين كانوا يتخندقون في الجدار، بحيث انه وبمجرد سماع محركات الناقلات تقترب منهم، تبدأ الفوضى والارتباك والرعب وعدم السيطرة.
كان سلاح المدفعية مشكلا اساسيا للجيش الصحراوي، رغم تباين تعداده وعتاده مقارنة مع سلاح المدفعية المغربية، إلا انه إستطاع ان يبطئ قدر المستطاع وتيرة عمل الجدران المغربية في بدايتها وبعد قيام الجدار كان دوره يرتكز اساسا على قصف الرادارات ووحدات الدعم اللوجستي في النسق الثاني من الجدار، كما كان لها دور مهم في حرب الاستنزاف وكذلك مرافقته للمعارك الكبرى.
كان فجر يوم 13 اكتوبر 1984 يوم مهاجمة الحائط المغربي بمنطقة ازمول النيران، رمزا لعمل تلك الوحدات، اذ مع بزوق شمس ذلك اليوم بدأ الجيش الصحراوي في مطاردة الجيش المغربي من الخنادق التي كان يظنها “مأتمنة” عليه، بذلك تحطمت وإلى غير رجعة كل الاساطير التي تسوق لفكرة ان هذا الجدار منيع ومن المستحيل إجتيازه، وبذلك مسحت بالارض بعبقرية ليس فقط احسن المهندسين المغاربة، فحسب بل الاسرائليين والفرنسيين والامريكان. والحديث يطول…!
اهم المدارس العسكرية لجيش التحرير الشعبي الصحراوي هما: مدرسة الشهيد الولي لمختلف الاسلحة، للتدريب الاساس وقاعدة الشهيد هداد للمدرعات ومدرسة الشهيد عمي لتكوين الاطر، ودرست فيها اطقم صحراوية على درجة عالية من الاحتراف والمهنية العسكرية، حيث ان الاطارات الصحراوية تدرس كل الاختصاصات بدأ من الاسلحة الخفيفة مرورا بكل اصناف الاسلحة مشاة، مدفعية … الخ حتى الوقاية من اسلحة الدمار الشامل والحرب الالكترونية.
تتمتع الصحراء الغربية بساحل يقدر طوله بـ 1500 كلم، ولذلك حاول المغرب منذ السنوات الاولى للحرب إستنزاف الارض عن طريق البحر، إلا أن الجيش الصحراوي بادر في السنوات الاولى من الحرب بتكوين أول دفعة من نواة البحرية مهمتها الدفاع عن أمن وسلامة الاراضي الصحراوية ومياهها الإقليمية. لم يكن هؤلاء الرجال يملكون اسطولا بحريا بل بضعة وحدات من زوارق Zodiac، و قد قامت البحرية الصحراوية بعشرات العمليات في المياه الاقليمية الصحراوية بدأ من سنة 1977 الى غاية 1986. ويمكن القول ان أهم عملية من حيث الدلالة الجيوسياسية كانت عملية ميناء العيون المحتلة شهر ماي 1984، كما ان البحرية الصحراوية حطمت أو غنمت ما يقارب 21 مابين باخرة وزورق.
فما قيمة أسري جيش يخفي حتي وجودهم؟.
لا توجد عائلة صحراوية و لا أي مقاتل طالب بتعويض عن اي نوع من الخسائر البشرية أو المادية في الحرب، لقناعتهم ان الصراع لم ينته بعد وأن ذلك واجب ويقام به بقناعة، على خلاف المظاهرات التي يشهدها المغرب منذ سنوات لاسرى الحرب المغاربة الذين كانوا بحوزة الجيش الصحراوي و الذين يقدر عددهم بأكثر من 2500، والذين يجاهرون بالقول: “الدولة المغربية أهملتنا ونحن وذوونا دفعنا فاتورة حرب الصحراء الغربية”
من حيث الخسائر البشرية للغزاة في الحرب كانت سنة 1979 هي أكثر السنوات من القتلى ليبلغ العدد489، وكانت سنة 1985 أكثر السنوات جرحى في صفوف الجيش المغربي، أي 6.151، وتبقى سنة 1984 هي أكثر السنوات خسارة بين القتلى والجرحى، حيث بلغ المجموع ما يقدر ب 11.734 من الجنود المغاربة.